سيد قطب
2379
في ظلال القرآن
بعد ذلك الشوط البعيد المديد في أرجاء الكون ، وفي نواميس الوجود ، وفي سنن الدعوات ، وفي مصائر البشر ، وفي مصارع الغابرين . . يرتد السياق إلى مثل ما بدأ به في مطلع السورة عن استقبال المشركين للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وما معه من الوحي ؛ واستهزائهم به وإصرارهم على الشرك . . ثم يتحدث عن طبيعة الإنسان العجول ، واستعجالهم بالعذاب . فيحذرهم ما يستعجلون به . وينذرهم عاقبة الاستهزاء بالرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ويعرض لهم مشهدا من تقلص ظلال الغالبين المسيطرين في الدنيا . ومشهدا من عذاب المكذبين في الآخرة . ويختم الشوط بدقة الحساب والجزاء في يوم القيامة . فيربط الحساب والجزاء بنواميس الكون وفطرة الإنسان وسنة اللّه في حياة البشر وفي الدعوات . . « وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً . أَ هذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ ؛ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ » . إن هؤلاء الكفار يكفرون بالرحمن ، خالق الكون ومدبره ، ليستنكرون على الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - أن يذكر آلهتهم الأصنام بالسوء ، بينما هم يكفرون بالرحمن دون أن يتحرجوا أو يتلوموا . . وهو أمر عجيب جد عجيب ! وإنهم ليلقون رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بالهزء ، يستكثرون عليه أن ينال من أصنامهم تلك : « أَ هذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ ؟ » ولا يستكثرون على أنفسهم - وهم عبيد من عبيد اللّه - أن يكفروا به ، ويعرضوا عما أنزل لهم من قرآن . . وهي مفارقة عجيبة تكشف عن مدى الفساد الذي أصاب فطرتهم وتقديرهم للأمور ! ثم هم يستعجلون بما ينذرهم به الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - من عذاب ؛ ويحذرهم من عاقبته . والإنسان بطبعه عجول : « خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ . سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ . وَيَقُولُونَ : مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ! » . . « خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ » . . فالعجلة في طبعه وتكوينه . وهو يمد ببصره دائما إلى ما وراء اللحظة الحاضرة يريد ليتناوله بيده ، ويريد ليحقق كل ما يخطر له بمجرد أن يخطر بباله ، ويريد أن يستحضر كل ما يوعد به ولو كان في ذلك ضرره وإيذاؤه . ذلك إلا أن يتصل باللّه فيثبت ويطمئن ، ويكل الأمر للّه فلا يتعجل قضاءه . والإيمان ثقة وصبر واطمئنان .